«سقّاء كربلاء».. إرثٌ خالد للخدمة وتجسيدٌ حيّ لروح التكافل

سقاء يسود الماء لامرأة أمام منزلها في زقاق قديم تظهر في نهايته قبة ومآذن ذهبية.

لم تكن مهنة «السقّاء» في كربلاء المقدسة مجرد وسيلة لكسب الرزق وتأمين احتياجات المعيشة، بل شكّلت على امتداد تاريخ المدينة ركناً مهماً من منظومتها الاجتماعية والإنسانية، وارتبطت بهويتها وخدمة أهلها وزائريها، ولا سيما خلال المواسم الدينية وشهر رمضان المبارك، حيث اكتسبت المهنة حضوراً روحياً واجتماعياً بارزاً.

شهادة حية من ذاكرة الأزقة

يستذكر الحاج أحمد، حفيد الشيخ حسين وأحد قدامى السقّائين في كربلاء، مسيرة جده فيقول إن الشيخ حسين كان يعمل في نقل المياه إلى منازل المدينة وأزقتها القديمة، وهي مهنة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وكان ينظر إليها باعتبارها أمانة وخدمة يعتز بها، لما تحمله من ارتباط تاريخي وروحي بهوية كربلاء.

وكان السقّاء يحمل المياه في القِرَب الجلدية التقليدية والأواني النحاسية، التي كانت تساعد على الحفاظ على برودة الماء وعذوبته في أجواء الصيف العراقي الحارة. ورغم التطور العمراني وانتشار شبكات المياه الحديثة، بقيت هذه الممارسة حاضرة في ذاكرة الأهالي والزائرين، ولا سيما في الأزقة الضيقة التي يصعب وصول وسائل النقل إليها، وخلال مواسم الزيارات المليونية.

وكان التعب والمشقة يهونان أمام دعوة خير من شخص مسن أو نظرة امتنان من طفل ارتوى بالماء، إذ مثّلت هذه المهنة بالنسبة لأصحابها جزءاً من تراث المدينة وذاكرتها الممتدة عبر الأجيال.

أمانة المهنة وروافد الخدمة

وتبرز هذه الشهادة الدور التاريخي للسقّائين، أو ما عُرف بـ«الملّائين»، الذين تولوا نقل المياه من الأنهار والخزانات إلى المنازل والمساجد وأسبلة الشرب، مقابل أجور بسيطة، فيما كان الدافع الديني والإنساني حاضراً بقوة، ولا سيما في إحياء ذكرى عطش الإمام الحسين (عليه السلام).

وكانت المهنة تعتمد على الالتزام بنظافة القِرَب أو أواني «التنك» وسلامتها من الثقوب أو المواد التي قد تؤثر في صفاء المياه، ما جعل الحفاظ على نظافة الماء وجودته جزءاً أساسياً من مسؤولية السقّاء تجاه الأهالي والزائرين.

«خان الباشا».. معقل الذاكرة وشاهد على الخدمة

ولم تكن مهنة السقّاء تقتصر على العمل الميداني، بل ارتبطت أيضاً بأماكن كانت تمثل مقراً للسقّائين ومأوى لهم. ومن أبرز هذه الأماكن «خان الباشا» الواقع في منطقة باب القبلة بالقرب من شارع الجمهورية، والذي شُيّد في القرن الثامن عشر الميلادي لاستقبال زائري الإمام الحسين (عليه السلام).

واحتضن الخان السقّائين الذين اعتادوا خزن المياه صيفاً وشتاءً داخل «كيزان» خزفية، كما وفرت الغرف الملحقة به أماكن لإيواء الزائرين والفقراء خلال مواسم الزيارات المليونية، ليكون بذلك شاهداً على جانب من منظومة الخدمة والتكافل التي عُرفت بها المدينة.

روح التكافل والمبادرة المجتمعية

وتجاوز دور السقّائين مهمة نقل المياه إلى أدوار مجتمعية وإنسانية أخرى، إذ كانوا من أوائل المبادرين إلى إخماد الحرائق عند اندلاعها في أحياء المدينة، فضلاً عن رش الأسواق والأزقة بالماء لتلطيف الأجواء خلال أيام الصيف الحارة، وتقديم المياه مجاناً لعابري السبيل.

وتعاظمت أهمية هذه المهنة خلال شهر رمضان المبارك، مع زيادة الحاجة إلى المياه في المساجد وأماكن التجمعات، فيما كان أهل الخير يتسابقون إلى دعم السقّائين ومكافأتهم بالطعام خلال الأعياد والأفراح، أو توفير الملابس الجديدة لهم.

كما حرص السقّاؤون على الاستمرار في ملء أسبلة الشرب العامة من الخزانات المعدنية والنحاسية، لتبقى المياه متاحة للزائرين والمسافرين، في مشهد جسّد صوراً بارزة من التكافل الاجتماعي وروح الخدمة في كربلاء.

ومع تطور شبكات المياه الحديثة وتراجع حضور السقّائين تدريجياً من المشهد اليومي، بقيت هذه المهنة جزءاً من الذاكرة الشعبية للمدينة ورمزاً للتضحية والعطاء والخدمة. كما وثّقت مصادر تراثية محلية، من بينها موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث، جوانب من هذه المهنة ودورها التاريخي والإنساني في حفظ ذاكرة كربلاء وتراثها الحي.

مشاركة المنشور :

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *