في سنوات الطفولة المبكرة، يكتسب الأطفال القيم والمبادئ التي ترافقهم في مختلف مراحل حياتهم، وتترسخ في وجدانهم بطولات كربلاء بما تحمله من معاني التضحية والإيثار والعدل، لتشكل مرجعية أخلاقية وإنسانية راسخة.
ومنذ الأيام الأولى لشهر محرم الحرام، يحرص الكثير من الأطفال على مرافقة عائلاتهم إلى المجالس الحسينية، حيث يبدو حضورهم لافتاً في المشهد الحسيني، وهم يحملون في قلوبهم حب الإمام الحسين (ع) وشغف المشاركة في إحياء شعائره.
ويولي العديد من الأهالي اهتماماً كبيراً بغرس الروح الحسينية في نفوس أبنائهم منذ الصغر، وتعليمهم آداب حضور المجالس الحسينية، بوصفها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأطفال حب أهل البيت (ع)، وينشؤون على تعظيم الشعائر الحسينية واحترامها.
وفي هذا الإطار، نسلط الضوء على أبرز المفاهيم التي تجسد حب الإمام الحسين (ع) في نفوس الأطفال، والدور التربوي الذي تؤديه المجالس الحسينية في بناء شخصياتهم.
وقال الدكتور مصطفى الإبراهيمي إن المجالس الحسينية لا تقتصر على إحياء ذكرى الإمام الحسين (ع)، بل تمثل مدارس تربوية واجتماعية تسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية وعيه.
وأضاف أن حضور الأطفال لهذه المجالس يعزز لديهم مفهوم التعاطف الإنساني، إذ إن استماعهم إلى بطولات كربلاء ومواقف الشجاعة والتضحية والإيثار يوقظ مشاعر التفاعل والتعاطف، ويغرس في نفوسهم القيم الأخلاقية والإنسانية.
وأوضح الإبراهيمي أن وجود الطفل في المجلس الحسيني يسهم في بناء هويته الاجتماعية والنفسية، ويرسخ مفاهيم الصبر والثبات ورفض الظلم، لما تتضمنه واقعة الطف من دروس وعبر، الأمر الذي يعزز صلابته النفسية ويملأ قلبه بالإيمان والخشوع، مستشهداً بقول الإمام الرضا (ع): «من جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب».
آداب المجالس الحسينية
ومن جانبها، أكدت الباحثة نور الحسناوي أهمية أن يحرص الآباء والأمهات على تعليم أطفالهم آداب حضور المجالس الحسينية منذ الصغر، مشيرة إلى أن أولى هذه الآداب تتمثل في الاستماع والإنصات إلى المحاضرات، عبر توجيه الطفل قبل دخول المجلس إلى الإصغاء للخطيب وعدم الانشغال بالحديث أو استخدام الهاتف، بما يعزز لديه احترام المتحدث وحسن الاستماع.
وأضافت أن من الآداب المهمة أيضاً الالتزام بالسكينة والوقار داخل المجلس، من خلال تجنب الركض والصراخ وكثرة الحركة، ليشعر الطفل بقدسية المجالس الحسينية وهيبتها.
وأوضحت أن النظافة والترتيب تمثلان جانباً تربوياً مهماً، إذ يحرص الأهالي على إلباس أطفالهم الملابس السوداء النظيفة والمرتبة، مع تعليمهم المحافظة على نظافة المكان وعدم رمي الأكواب أو المناديل، بما ينمي لديهم روح المسؤولية.
رأي المرجعية الدينية
وتؤكد المرجعية الدينية أهمية اصطحاب الأطفال إلى المجالس الحسينية، لما لذلك من أثر في تهذيب سلوكهم وتعريفهم بسيرة أهل البيت (ع) منذ نعومة أظفارهم، كما تشجع على مشاركة الأطفال، وحتى الرضع منهم، بما يستطيعون، ليعكسوا ارتباط الأجيال الناشئة بالقيم الحسينية، وليؤكدوا أن رسالة كربلاء تنتقل من جيل إلى آخر، وتبقى حية في الوجدان.
آباء وأمهات يرسخون القيم الحسينية
وتقول أم مصطفى إنها تحرص على حضور المجالس الحسينية برفقة بناتها، حيث يستمعن إلى المحاضرات الدينية، ولا سيما التي تتناول سيرة السيدة رقية (ع) وما تعرضت له من معاناة، الأمر الذي يدفعهن إلى طرح الأسئلة والتفاعل مع الأحداث، لترسيخ مبادئ الإمام الحسين (ع) وقيمه في نفوسهن.
أما أبو أيسر، وهو من أهالي مدينة كربلاء المقدسة، فيؤكد أن أسرته اعتادت في شهر محرم شراء الملابس السوداء ثم التوجه إلى المجالس الحسينية برفقة أطفاله، بهدف تعريفهم بحب أهل البيت (ع). ويضيف أن أبناءه يتفاعلون مع أحداث واقعة الطف ويطرحون العديد من الأسئلة حول الإمام الحسين (ع) وأصحابه، وهو ما يعكس الدور المعرفي والتربوي الذي تؤديه هذه المجالس في تنشئة الأطفال.
وتعد القضية الحسينية جزءاً أصيلاً من نمط الحياة في مدينة كربلاء المقدسة، حيث تتجسد قيم الكرامة والعطاء والإيثار في خدمة الإمام الحسين (ع)، فيما تبقى المجالس الحسينية منبراً لتربية الأجيال على المبادئ الإنسانية والإسلامية، لتظل رسالة كربلاء خالدة في القلوب، تنتقل من الآباء إلى الأبناء جيلاً بعد جيل.







