مع ساعات الفجر الأولى، كان الهدوء يخيّم على أحياء كربلاء القديمة، فيما بدأت العائلات تستعد لاستقبال يوم عرفة، أحد أعظم أيام السنة في التقويم الإسلامي. وفي أحد البيوت الكربلائية، كانت أم تُعد وجبة سحور بسيطة لأفراد أسرتها قبل ساعات من بدء يوم ينتظره الملايين بالدعاء والعبادة.
وتتكرر هذه المشاهد في مختلف أحياء المدينة التي تستقبل يوم عرفة بأجواء روحانية خاصة، حيث تتجه الأنظار والقلوب نحو المشاعر المقدسة، فيما تستعد كربلاء لاستقبال أعداد كبيرة من الزائرين القادمين لإحياء هذه المناسبة المباركة.
يوافق يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة، ويُعد من أعظم أيام الإسلام، إذ يؤدي الحجاج فيه الركن الأعظم من الحج بالوقوف على صعيد عرفات من زوال الشمس حتى غروبها.
وفي هذا اليوم، تشهد المساجد والحسينيات إقبالاً واسعاً من المؤمنين لإحياء ساعات النهار بالدعاء وقراءة القرآن والعبادات المختلفة، فيما يحرص الكثيرون على صيامه لما ورد في فضله من الأجر والثواب.
وأكد الشيخ أبو كوثر الحمداني أن يوم عرفة يمثل محطة إيمانية مهمة يعيش فيها المسلم حالة من التوبة والإنابة إلى الله تعالى، سواء كان حاجاً في المشاعر المقدسة أو مقيماً في بلده، مشيراً إلى أن هذا اليوم يجسد معاني الدعاء والتقرب إلى الله وصلة الأرحام والتكافل الاجتماعي.
وقبل ساعات من توافد الزائرين، تبدأ الحركة في شوارع كربلاء تدريجياً، حيث تنفذ الدوائر الخدمية أعمالها الميدانية منذ ساعات الليل الأولى، فيما تنتشر فرق النظافة والآليات الخدمية في مختلف مناطق المدينة.
وعند الاقتراب من مركز المدينة القديمة، تتغير ملامح المشهد مع انتشار المواكب الخدمية على جانبي الطرق المؤدية إلى العتبتين المقدستين، حيث تُقدَّم مختلف الخدمات للزائرين، فيما تعبق الأجواء بروائح الشاي والقهوة والطعام الشعبي.
ويؤكد أصحاب المواكب الخدمية أن الاستعدادات تبدأ قبل أيام من المناسبة، بهدف توفير أفضل الخدمات للزائرين القادمين من داخل العراق وخارجه، انطلاقاً من ثقافة الخدمة المتجذرة في المجتمع الكربلائي.
ومع تزايد أعداد الوافدين إلى المدينة، باشرت الجهات المعنية بتنفيذ خطط خدمية وصحية وأمنية متكاملة لضمان انسيابية حركة الزائرين وتوفير بيئة مناسبة لإحياء المناسبة الدينية.
وأوضح مدير إعلام بلدية كربلاء المقدسة محمد الموسوي أن المدينة شهدت انتشاراً واسعاً لآليات التنظيف وغسل الشوارع، إلى جانب تكثيف أعمال رفع النفايات وتهيئة الطرق المؤدية إلى العتبتين المقدستين.
وأضاف أن الدوائر الخدمية عززت تجهيز المياه الصالحة للشرب، فضلاً عن نشر مفارز طبية وإسعافية في مناطق التجمعات وأماكن تواجد الزائرين.
كما كثفت القوات الأمنية انتشارها في مداخل المحافظة والطرق الخارجية لتنظيم حركة السير وتأمين انسيابية دخول الزائرين والعجلات، فضلاً عن توفير مواقف خاصة للمركبات وتنظيم حركة المشاة داخل مركز المدينة.
ومع ساعات النهار، تكتظ ساحات وصحون العتبتين المقدستين بالزائرين القادمين من مختلف المحافظات العراقية ومن خارج البلاد، حيث تتعالى أصوات الدعاء وقراءة القرآن في أجواء يسودها الخشوع والسكينة.
ويحرص العديد من الزائرين على قضاء ساعات طويلة في الحرمين الشريفين حتى غروب الشمس، فيما تتواصل برامج الدعاء والعبادة التي تميز هذا اليوم المبارك.
وأكد عدد من الزائرين أن الأجواء الروحانية والتنظيم الخدمي داخل المدينة يضفيان خصوصية مميزة على زيارة يوم عرفة، مشيدين بمستوى الخدمات المقدمة وجهود الجهات المعنية والمواكب الخدمية.
ومع اقتراب موعد الغروب، تتصاعد أصوات الدعاء في أرجاء المدينة، فيما يتوافد الزائرون لقراءة دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة داخل العتبتين المقدستين.
وفي تلك اللحظات، تتجسد صورة متكاملة للتعاون بين مختلف فئات المجتمع؛ فالزائر منشغل بالدعاء، وأصحاب المواكب يواصلون تقديم الخدمات، والكوادر البلدية تعمل على نظافة المدينة، فيما تواصل الأجهزة الأمنية والصحية أداء مهامها لخدمة الوافدين.
وهكذا تعيش كربلاء يوم عرفة، مدينةً تتوحد فيها مشاعر الإيمان والخدمة والمحبة، لتبقى هذه المناسبة واحدة من أبرز المحطات الروحية التي تستحضر معاني التضرع والتكافل والتلاحم بين أبناء المجتمع.






