يشكل التصدي للتطرف العنيف أحد أبرز الملفات التي تحظى باهتمام مؤسسات الدولة العراقية، من خلال اعتماد استراتيجيات وطنية وبرامج توعوية تهدف إلى ترسيخ قيم الاعتدال والمواطنة والتعايش السلمي، والحد من مسببات الفكر المتطرف وتعزيز الأمن المجتمعي.
ورغم ما عُرف به العراق عبر تاريخه من تنوع ديني وقومي وثقافي، وما رافقه من قيم التسامح والتعايش، إلا أن الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية أسهمت في بروز بعض مظاهر التطرف، الأمر الذي استدعى وضع خطط وبرامج وقائية لمعالجة جذور هذه الظاهرة والحد من آثارها.
وأكد النائب الأول لمحافظ كربلاء المقدسة ورئيس اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف، علي حسين عبد الله الميالي، أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف تمثل إحدى أولويات الدولة العراقية، ولاسيما بعد ما خلفه الإرهاب من خسائر بشرية ومادية، مشيراً إلى أن مرحلة ما بعد الانتصار العسكري على عصابات داعش الإرهابية تتطلب مواجهة الفكر المتطرف ومنع عودة أسبابه.
وأوضح أن معالجة التطرف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي قد تسهم في إعادة إنتاج الفكر المتشدد، مبيناً أن الاستراتيجية الوطنية تهدف إلى بناء بيئة داعمة للاعتدال، وتعزيز قيم المواطنة واحترام التنوع الديني والثقافي وحقوق الإنسان.
وأضاف أن تنفيذ الاستراتيجية يعتمد على تكامل أدوار مؤسسات الدولة المختلفة، من خلال إدراج أهدافها ضمن خطط قطاعات التربية والتعليم والثقافة والإعلام والأمن والاقتصاد والاتصالات، بما يحقق تنسيقاً وطنياً شاملاً في برامج الوقاية من التطرف.
من جانبه، أوضح مسؤول شعبة مكافحة التطرف العنيف، الدكتور حسين ماهر سعد، أن الاستراتيجية الوطنية أُطلقت عام 2016 في جميع المحافظات العراقية بهدف إعادة دمج الفئات المتأثرة بظروف التطرف، وتعزيز التماسك المجتمعي من خلال نشر قيم العدالة والاعتدال والتعايش السلمي.
وأشار إلى أن محافظة كربلاء باشرت تنفيذ الاستراتيجية عبر استحداث شعبة متخصصة عام 2021، أعقبها تشكيل عدد من اللجان والروابط المجتمعية التي تضم رجال الدين ومخاتير الأحياء ومؤسسات الأسرة والطفل، بهدف توحيد الجهود في نشر ثقافة الاعتدال والحد من مظاهر التطرف.
وبيّن أن برامج التوعية تُنفذ عبر وسائل متنوعة، تشمل الأنشطة الثقافية، والمسرحيات الوطنية، والرسومات الجدارية، والفعاليات المجتمعية التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، بما يسهم في ترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية.
وأكد أن محافظة كربلاء حققت المركز الأول بين المحافظات العراقية خلال عام 2024 في مجال مشاريع مكافحة التطرف العنيف، بفضل تنفيذ مبادرات نوعية أسهمت في تعزيز الأمن المجتمعي، من بينها إنشاء مركز شرطة الأسرة والطفل في قضاء الحر، إلى جانب مشاريع مكافحة الابتزاز الإلكتروني ورصد مؤشرات التطرف قبل تحولها إلى تهديدات أمنية.
وأضاف أن الشعبة تعمل حالياً على تنفيذ عدد من المشاريع التوعوية الجديدة، من بينها إعداد مسرحية تثقيفية للأطفال، وإقامة معرض يوثق جرائم عصابات داعش الإرهابية، بهدف توعية الأجيال الجديدة بمخاطر الإرهاب وترسيخ ثقافة السلام.
وأشار إلى أن الحكومة المحلية في كربلاء تواصل دعم البرامج التوعوية من خلال رعاية الورش التدريبية والأنشطة المجتمعية، فضلاً عن إشراك المرأة في تنفيذ المبادرات التوعوية عبر قسم المرأة والأسرة والطفل.
وتنسجم هذه الجهود مع توصيات مجلس الوزراء الهادفة إلى تشجيع العمل التطوعي، من خلال تشكيل مجموعات شبابية في المحافظات للمشاركة في المبادرات الوطنية الخاصة بمكافحة التطرف، بإشراف اللجان الفرعية المختصة، إلى جانب تنظيم مهرجان سنوي لاختيار أفضل فريق تطوعي على مستوى العراق.
بدوره، أكد مقرر اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف، المهندس نورس عدنان رزوقي، أن مواجهة الإرهاب تتطلب استراتيجية شاملة تعالج الأسباب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي تقود إلى ظهور التطرف، مشيراً إلى أن بناء مجتمع يقوم على الوسطية والتسامح واحترام الآخر يمثل الأساس في حماية الأجيال المقبلة.
وأوضح أن تنفيذ الاستراتيجية يواجه عدداً من التحديات، أبرزها تطوير المناهج التعليمية، وتأهيل الملاكات التربوية، وزيادة الأنشطة الثقافية والإعلامية التي تعزز ثقافة الحوار، فضلاً عن دعم الدراسات والبحوث المتخصصة في مجال الوقاية من التطرف.
وتجسد اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف في محافظة كربلاء نموذجاً للتعاون المؤسسي، من خلال مشاركة ممثلين عن المؤسسات الأمنية والقضائية والأكاديمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعكس أهمية الشراكة بين مختلف الجهات في تنفيذ البرامج الوطنية الرامية إلى حماية المجتمع من الفكر المتطرف، وتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش السلمي.







