قصر البردويل.. معلم تاريخي مسيحي يواجه الإهمال في صحراء كربلاء

تلة صحراوية تعلوها بقايا حصن أو أطلال أثرية تحت سماء صافية وغيوم بيضاء.

تحتضن محافظة كربلاء المقدسة العديد من المواقع والمعالم الأثرية التي توثق مراحل تاريخية متعاقبة شهدتها المنطقة، ومن بينها قصر البردويل، أحد المعالم الواقعة بالقرب من قضاء عين التمر، على مسافة نحو 80 كيلومتراً من مركز مدينة كربلاء

ويرجح أن يعود تاريخ تشييد القصر إلى القرنين الخامس أو السادس الميلاديين، وهي فترة شهدت حضوراً مسيحياً بارزاً في المنطقة، إلا أن تحديد تاريخ بنائه ووظيفته الأصلية بصورة دقيقة ما يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات والتنقيبات الأثرية المتخصصة.

موقع قصر البردويل وأهميته

يقع قصر البردويل إلى الشمال من قضاء عين التمر بنحو ستة كيلومترات، بالقرب من بحيرة الرزازة ومرقد السيد أحمد بن هاشم.

وشُيّد البناء فوق مرتفع طبيعي يزيد ارتفاعه على عشرة أمتار عن الأراضي المحيطة به، وهو موقع يمنح القصر إطلالة واسعة على المنطقة، الأمر الذي يرجح استخدامه في أغراض المراقبة والحراسة والإنذار المبكر.

كما يرتبط موقع القصر بعدد من المعالم التاريخية والأثرية المهمة في المنطقة، ومنها عين التمر وقصر شمعون وكنيسة القصير، ما يعكس أهمية المنطقة بوصفها واحدة من المواقع التي احتضنت آثاراً دينية وحضارية متعددة عبر التاريخ.

تفاصيل معمارية تعكس طبيعة البناء

يبلغ ارتفاع الأجزاء المتبقية من القصر نحو 15 متراً، وقد شُيّد باستخدام الحجر والنورة، وهما من مواد البناء التي كانت شائعة في تلك الحقبة.

ويشير المؤرخ الدكتور سعيد رشيد زميزم إلى أن القصر كان بناءً شامخاً في زمنه، مبيناً أن بعض الدراسات المحلية تشير إلى أنه كان يتكون من ثلاث دورات لولبية تصعد عبر سلم يبلغ عرضه نحو متر واحد.

كما تشير هذه الدراسات إلى وجود ست صوامع أو حجرات صغيرة في أعلى البناء، ترتبط فيما بينها بممرات ضيقة، وقد اعتمد تشييدها على أسلوب معماري يتميز باستخدام العقود المدببة.

وتذكر بعض الروايات أن قمة البرج كانت تعلوها في إحدى المراحل قبة مجصصة باللون الأبيض، تستند إلى أعمدة، فيما تشير روايات أخرى إلى وجود مقبرة مسيحية في أسفل البرج تضم عدداً من النواويس، تعرض بعضها للعبث والدمار نتيجة عمليات البحث عن الكنوز.

ما أصل تسمية «البردويل»؟

ترتبط تسمية البردويل، بحسب باحثين، باللغة السريانية، فيما تورد بعض المصادر تفسيرات لمعناها تشير إلى «الرجل الطويل»، في إشارة إلى الهيئة المرتفعة والعمودية للبناء.

ويرجح الباحث في الآثار والمدير السابق لآثار كربلاء المقدسة حسين ياسر العبودي أن القلعة كانت تؤدي وظائف عسكرية، ولا سيما المراقبة والحراسة، فضلاً عن ارتباطها بالمواقع المسيحية المنتشرة في المنطقة المحيطة بها.

ويُرجح أن يعود تاريخ القلعة إلى القرنين الخامس أو السادس الميلاديين، فيما زارت الباحثة البريطانية وعالمة الآثار المس بيل الموقع عام 1909، ووصفته في أحد مؤلفاتها، كما أعدت مخططات له، وأشارت إلى وجود طابقين من الغرف الحجرية المقامة فوق أرض مرتفعة.

ومع ذلك، فإن غياب التنقيبات الأثرية الشاملة يحول دون الوصول إلى تحديد نهائي ودقيق لتاريخ الموقع ووظائف أجزائه وتفاصيل مراحل بنائه.

معلم أثري في مواجهة عوامل الزمن

تعرض قصر البردويل على مدى سنوات طويلة لعوامل طبيعية وبشرية أسهمت في تراجع حالته، إذ أدت التعرية والظروف المناخية القاسية، إلى جانب الإهمال، إلى تهدم أجزاء واسعة من البناء واندثار بعض معالمه.

وتتمثل الأجزاء المتبقية من الموقع في عدد من القاعات المسقوفة بأقبية مدببة، تعكس ملامح من الطراز المعماري الحيري الذي كان سائداً في تلك الحقبة، فضلاً عن بقايا سور متين كان يحيط بالقلعة من عدة جهات.

وتظهر على أطلال القصر اليوم علامات واضحة للتآكل، الأمر الذي يجعل حمايته وتوثيقه ودراسته من الخطوات المهمة للحفاظ على ما تبقى من هذا المعلم التاريخي.

قصر البردويل وفرص السياحة الأثرية

على الرغم من أن قصر البردويل لا يحظى بالشهرة نفسها التي تتمتع بها المعالم الدينية والسياحية المعروفة في كربلاء، فإنه يمثل فرصة مهمة لإثراء خارطة السياحة الأثرية في المحافظة.

ويمكن أن يسهم إدراج الموقع ضمن البرامج والجولات السياحية في التعريف بتاريخ المنطقة، ولا سيما إذا ترافقت هذه الخطوة مع توثيق علمي لأجزاء القصر، وتأمين الموقع، وحمايته من العبث والعوامل الطبيعية.

كما يمكن ربط القصر بعدد من المواقع التاريخية القريبة منه لتشكيل مسار سياحي أثري يعرّف الزائر بمراحل تاريخية امتدت لقرون، ويكشف جانباً من التنوع الحضاري والديني الذي شهدته المنطقة.

ذاكرة تاريخية تستحق الحماية

لا يمثل قصر البردويل مجرد أطلال قائمة في منطقة صحراوية، بل يعد شاهداً على مرحلة تاريخية مهمة مرت بها المنطقة، وما شهدته من تعاقب حضارات وديانات وثقافات تركت آثارها في كربلاء ومحيطها.

وبين بقايا البناء التي تقاوم عوامل الزمن، تبرز الحاجة إلى مشروع علمي متخصص يتولى دراسة الموقع وتنقيبه وتوثيقه وترميم ما يمكن الحفاظ عليه منه، بما يضمن عدم ضياع جزء من الذاكرة الأثرية للمحافظة.

إن حماية قصر البردويل لا تعني الحفاظ على بناء قديم فحسب، وإنما صون صفحة من تاريخ كربلاء وتراثها المتنوع، وإتاحة الفرصة للأجيال القادمة للتعرف على معلم ما زال يحمل الكثير من الأسئلة التي تنتظر البحث والدراسة.

مشاركة المنشور :

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *